الرئيسية | فضاءات | دراســات ومقــالات | ماذا يريد الفلسطينيون

ماذا يريد الفلسطينيون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ماذا يريد الفلسطينيون

ماذا يريد الفلسطينيون




د. مصطفى يوسف اللداوي


سؤالٌ منطقي وطبيعي يطرحه العرب وغير العرب على الشعب الفلسطيني، فقد احتاروا في خضم الأيدولوجيات الفلسطينية، المبعثرة بين القوى والفصائل الفلسطينية المختلفة، وولاءاتها السياسية المتعددة، وتحالفاتها الدولية المتعارضة، وتوالدها المضاعف، وانقساماتها المتعددة، في معرفة ما الذي يريده الفلسطينيون، وما هي أهدافهم المتفق عليها، وما هي الاستراتيجية التي يعتمدونها، وما هي الغاية التي يتطلعون للوصول إليها.

فقد أعيا المحبين للقضية الفلسطينية اختلافُ أهلها، وتنابذُ فصائلها، واحترابُ قواها، وانقسامُ شعبها، وتمزقُ أرضها، وتشتتُ أفكارها، وتعددُ سياساتها، والتعثرُ الذي ساد بين قيادتها، والاضطرابُ الذي عم علاقاتهم، وسيطر على تصرفاتهم.

فلم يعودوا يعرفون أيهم على الحق، وعلى الطريق السوي السليم، ويعملون بصدقٍ وإخلاص، ويحرصون على السرية والنجاح، ولا تهمهم المظاهر والإدعاءات، ويضعون أرواحهم على أكفهم، وعيونهم على الوطن وأهله، يضحون في سبيله، ولا يتأخرون عن الفداء من أجله، ويقدمون مصلحة وطنهم على أي مصلحةٍ أخرى، ولا يوظفونها لخدمة آخرين، لتوظيفها لأغراضهم، واستثمارها لمصالحهم، والاستفادة منها في تحقيق أهدافهم.

إنه سؤال مشروع، لا يطرحه المحبون لفلسطين فقط، إنما يطرحه قطاعٌ كبيرٌ من الشعب الفلسطيني، الذين باتوا لا يعرفون سياسة تنظيماتهم، ولا استراتيجية فصائلهم، ولا يستطيعون تحديد ما الذي يريدون، وماذا يرفضون، ولهم في ذلك كل الحق، إذ إنهم لا يطرحون سؤالاً سفسطائياً، ولا يتساءلون بقصد الجدال البيزنطي، وإنما يهمهم معرفة الاستراتيجية العامة لقيادتهم، ليتمكنوا من العمل وفق السياق، وتوظيف الطاقات ضمن ذات الإستراتيجية، لئلا تتعارض الطاقات، وتبوء الجهود بالفشل.

كما أن الشعوب العربية والإسلامية التي تتطلع لأن تساعد الشعب الفلسطيني، وتخدمه فيما يحب، وإلى ما يتطلع، باتوا حيارى تائهين، لا يعرفون لمن يقدمون الدعم والإسناد، ومن يؤيدون ومن يعارضون، هل يؤيدون الفصائل التي تطلق على نفسها فصائل المقاومة، أو معسكر الممانعة، أم يوجهون الدعم إلى السلطة الفلسطينية والفصائل التي تدور في فلكها، وتؤمن بأهدافها، وتساندها في مواقفها، وتؤيدها في خياراتها السياسية، خاصةً أن بعض الحكومات العربية تسير بهذا الإتجاه، وتشجع مواطنيها للإيمان بخيارات دولهم الرسمية، وتأييد ودعم الجهات التي تسميها لهم، ويسلط الضوء عليها إعلامهم الرسمي.

هل يريد الفلسطينيون استعادة أرضهم كلها، من البحر غرباً إلى النهر شرقاً، ومن رأس الناقورة شمالاً إلى رفح جنوباً، فلا يفرطون في شبرٍ منها، ولا يتنازلون لأحدٍ عن أي جزءٍ منها، على أن يعود اللاجئون إلى ديارهم ومدنهم وقراهم، فلا يقبلون عن وطنهم بديلاً، ولا عنه تعويضاً، ولا يتنازلون عن حقهم في العودة إليه تحت أي سبب، أو استجابةً لأي ضغط.

وأنهم يريدون أن يقيموا دولتهم الفلسطينية ذات السيادة الكاملة، بعلمٍ وجيشٍ وعلاقاتٍ خارجية، على كامل التراب الوطني الفلسطيني، بعاصمتها القدس الموحدة، بشطريها الشرقي والغربي، وبمقدساتها الإسلامية والمسيحية، فلا يشاركهم فيها أحد، ولا يقاسمهم السيادة عليها دولٌ أو منظمات.

أم أن الفلسطينيين يقبلون بحل الدولتين، دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، فقط على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية الجديدة، دون تنازلٍ عن قطعة أرضٍ منها، أو قبولٍ بأي عملية لتبادل الأراضي لإبقاء بعض المستوطنات، أو للحفاظ على بعض المناطق الإستراتيجية بيد الجيش الإسرائيلي، أو لإجراء تغيير ديمغرافي يخدم أهدافهم، وينقي كيانهم.

أم أن الفلسطينيين يقبلون بدولةٍ فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، مع إمكانية إجراء تبادلٍ محدودٍ في الأراضي، بنفس القيمة والقدر، لتبقى المساحة نفسها، على أن يحتفظوا بالمساحات الأقل والأكثر كثافة سكانية، مع إمكانية القبول بجزءٍ من القدس عاصمة، أو قبولٍ ببلدة "أبو ديس" لتكون هي العاصمة، مع تسهيلاتٍ وضماناتٍ إسرائيلية وأمريكية بحرية العبادة في المسجد الأقصى، والدخول إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس.

أم أنهم ينادون بدولةٍ ثنائية القومية، يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون، ضمن دولةٍ واحدة، على الأرض التاريخية للشعب الفلسطيني، مع تنفيذ محدود في حق العودة إلى فلسطين، بما لا يجعل أكثرية لفريقٍ على حساب آخر.

وهل يريد الفلسطينيون المضي في خيار المقاومة العسكرية وحدها، طريقاً وسبيلاً لتحرير فلسطين، أم أنهم يؤمنون إلى جانبها بكل أشكال المقاومة الشعبية الأخرى، السلمية والمدنية.

أم أنهم يؤمنون فقط بالحوار والمفاوضات سبيلاً للوصول إلى الغايات والأهداف، وأي محاولة للمقاومة المسلحة فإنها مرفوضة، وهي عبثية تضر ولا تنفع، وتسيئ ولا تخدم، ولهذا ينبغي مقاومة كل أشكال المقاومة المسلحة، واعتقال كل من يمارسها أو يعتمدها، كونه يضر بالمصالح الوطنية، ويعرض أمن القضية للخطر.

ربما يقول قائل أن حدة الانقسامات ودرجة التباين السياسي واضحة وكبيرة لدى القوى والفصائل الفلسطينية، التي تؤمن بأهدافٍ متعارضة، وتنادي باستراتيجياتٍ متناقضة، أما الشعب فهو في أغلبه موحد الموقف، ويعرف ماذا يريد، وإلام يقاتل، وإلى أين يتطلع، فلا تناقض عنده، ولا ازدواجية في الرؤية لديه.

لكنني أعتقد أن الشعب الفلسطيني نفسه حائر وتائه، وضائع ومنقسم، ولا يملك رؤية موحدة، ولا برنامجاً واحداً، بل إن التباين قد أصابه، والاختلاف قد لحق به كقيادته، حتى أضحى امتداداً للفصائل، وانعكاساً لمواقفها وآرائها، يحمل المتناقضات، ويؤمن بالاختلافات.

الحيرة كبيرة، وهي حيرةٌ حقيقية، فقد أضاع الفلسطينيون بوصلتهم، وتاهوا في طريقهم، واتبعوا مرشدين غير مخلصين، ينقصهم الصدق، وتعوزهم الصراحة والوضوح، وآخرين متهالكين ضعفاء، قد دب فيهم اليأس، وأصابهم التعب والإرهاق، فلم تعد لديهم القدرة على الصمود، أو الجلد على المقاومة، فأرهقوا شعوبهم، وأضلوا أهلهم، مرةً عندما أخذوا القضية إلى مساراتٍ سيئة، ومرة عندما خدعوا شعبهم وأضلوه، ولم يخبروه بحقيقة مواقفهم، وأصل استراتيجيتهم.

Bookmark and Share

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الشــــروق الباريســـــي

أخر الأخبار والتعليقات

image

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله   الشروق الباريسي     بالرغم مما حدث للسيد نكاز رشيد في الجزائر لم أتمكن
image

هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟

 هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟  من مدونة "بوتفليقة قتلني" لزيارة المدونة "إضغط هنا"     من الروعة بمكان أن يذكر نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني
image

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"   ناشرون فلسطينيون/ نابلس       ضمن فعاليات الاحتفال بيوم المكتبة العربية استضافت مدرسة أودلا الأساسية المختلطة يوم الخميس 20/3/2014 الكاتب والأديب الأستاذ
image

وجه أمّي.. وجه وطني

وجه أمّي.. وجه وطني  مادونا عسكر/ لبنان       ذلك الصّوت الصّامت، الحاضر في إشراقة الصّباح والسّاهد في غفوة اللّيل، والكامن في أسارير الوجود. ذلك الكيان الّذي يتلقّف قسوتنا
image

هكذا يكون الحبّ!

هكذا يكون الحبّ! (ماري القصيفي) لبنان إضغط هنا لزيارة مدونة الكاتبة       حين تنظر إلى جذور شعرها البيضاء وتفكّر في حنان في أنّها تأخّرت عن موعد
image

مساحة من حروف تراتيل في قصص قصيرة جدا

مساحة من حروفتراتيل في قصص قصيرة جدا                 مكارم المختار صحوة وجعـ هل تعافيت ؟ـ قبضت على بدني ـ لله الحمدـ اقصد تعافيت مما عليه كنت ..... وقضبت
image

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي  أجرى اللقاء، سيمون عيلوطي:       الدّكتورة كلارا سروجي-شجراوي، تعمل في سلك التدريس في جامعة حيفا، قسم اللّغة العربيّة وآدابها، في مجالَي الأدب
image

أيها العرب أين تذهبون

أيها العرب أين تذهبون د. مصطفى يوسف اللداوي       أيها العرب أين تذهبون، وإلى أين تفرون ...القذيفة تلاحقكم، والانفجار يطالكم، والعبوة تفاجئكم، والطلقة تطاردكم، وعصف التفجير يمزقكم، والسيارة
image

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن
image

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!   فراس حج محمد         في قصة "الفقيد" للكاتب اليمني عبد الله سالم باوزير رحمه الله (توفي عام 2004)، ونشرت في مجموعته المتميزة
  1. فلنتوكل على الله (5.00)

  2. الملفات الساخنـــة (5.00)

  3. كلمـــة المحـــــرر (5.00)

  4. احداث مفتعله حول الحجاب تهز باريس (5.00)

  5. فقط لتجربة الفيديو على المجلة (5.00)

كلماته الدلالية:

الجزائر, تونس, فلسطين, العرب, مصر, المسلمين, لبنان, حيفا, التمرد, رام الله, القدس, العربية, امريكا, السعودية, الأخبار, الشعراء, السلطان, المناصب, الحكم, الإستبداد, الديمقراطية, الكتابة, الكاتب, الصة, الشعر, الأدب, الشاعر, المثقف, الحام, الثورات, اليهود, المسلح, السلاح, الإحتجاجات, المسيحيين, الفلسطينية, تل أبيب, المغربي, المشرقي, اليهودي, النصراني, الباحث, المفكر, الأديب

قيّم هذا المقال

0

دخول

Or you can

Connect with facebook

أحدث الإضافات

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن... كامل المقال