الرئيسية | المعلقات | من المدونـــات | "موسم الهجرة إلى الشمال".. رواية البؤس العربي بامتياز

"موسم الهجرة إلى الشمال".. رواية البؤس العربي بامتياز

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"موسم الهجرة إلى الشمال".. رواية البؤس العربي بامتياز

"موسم الهجرة إلى الشمال".. رواية البؤس العربي بامتياز
 

فراس حج محمد/فلسطين


نشر الطيب صالح العديد من الروايات منها: عرس الزين، ومريود، ونخلة على الجدول، وله مجموعة قصصية بعنوان "دومة ود حامد"، وهو في كل أعمال القصصية مسكون بالهم الاجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه، وقد ظهر ذلك جليا في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال"
تشكل رواية الطيب صالح هذه عملا فنيا بالغ الجودة، إذ تشكل رواية من أهم الروايات العربية، وجعلت صاحبها يتبوأ مقعده الوثير من الفن القصصي العربي، وتمتاز هذه الرواية بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية، واعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورة البطل الروائي الواضحة سلبا أو إيجابا الشائعة في أعمال روائية كثيرة قبله.
وإذا كان النقاد يعرفون الرواية بأنها "ترجمة أو تصوير لواقع الحياة" فإن "موسم الهجرة إلى الشمال" هي تصوير لواقع اجتماعي عربي عام، وعلى الرغم من أن أحداث الرواية تدور في الريف السوداني إلا أنها تسلط الضوء على أساسيات التركيبة الاجتماعية العربية، وترسم صورة للإنسان العربي في واقعه المعيش، صورته الاجتماعية بحلوها ومرها، وزيفها وحقيقتها، إنها رواية البؤس العربي بامتياز.
ومن أهم القضايا التي تعرضها رواية الطيب صالح هذه السلوك الفردي للإنسان العربي، ومدى تناغمه مع السلوك الاجتماعي مما يحدد سلوك هذا الفرد، إذ يظهر الإنسان العربي ذا صورتين: واحدة تعيش في ذاكرة مصطفى سعيد الذي لا يحب أن يطّلع عليها أحد، تلك الصورة التي عاش أحداثها الدراماتيكية في الغرب، والثانية حياته الهادئة في إحدى القرى النائية في الريف السوداني، ويظهر فيها شخصية اجتماعية إيجابية، مما جعله يحوز ثقة الجميع في القرية، ولو أتهم عرفوا ماضيه ما عاملوه كما عاملوه فيه، على عكس تلك الصورة التي عاش تفاصيلها في أصقاع الغرب، غازيا للغرب، منتقما من استعماريتهم، ولكن على طريقته هو، في استخدام سلاح التضليل ليوقع النساء في شرك نهمه الجنسي. ففي واقع الحال ترسم الرواية حياتين مختلفتين جدا لبطل الرواية الإشكالي "مصطفى سعيد".
ومن خلال النسيج الاجتماعي الذي يجسد فنيا في الرواية، تظهر سلوكيات الرجل الشرقي، الذي يعتمد – كما تصوره الرواية- على الرجولة وتجلياتها البدائية مع النساء، إذ تصور الرواية الرجولة، كما جاء على لسان شخصياتها، أن "الرجل تظهر رجولته في معاشرة الزوجات"(1)، ولذا فإن الرجل لا يهمه من تكون هذه المرأة؛ إذ لا يعنيه منها سوى قضاء وطره منها، فهذا ود الريس ـ إحدى شخصيات الرواية ـ كان "كثير الزواج والطلاق لا يعنيه من المرأة إلا أنها امرأة، يأخذهن حيثما اتفق، ويجيب إذا سئل "الفحل غير عواف"(2).
وفي هذا السياق الاجتماعي، تجد هذا الرجل الشرقي الريفي الذي يمثل طبقة اجتماعية أقل وعيا، يعيب على عائلة السارد بقوله:" قبيلتكم هذه لا خير فيها، أنتم رجال المرأة الواحدة، ليس فيها غير عمك عبد الكريم، ذلك هو الرجل"(3)، فقد كان عبد الكريم هذا الموصوف بالرجولة "مطلاقا مزواجا"(4). وتظهر مع هذا السلوك الاجتماعي الرجولي الفحل، صورة الرجل الشرقي الخارجية في "أنه ذو شاربين مقوسين طرفاهما كحد الإبرة"(5).
وتظهر في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" سمات المجتمع العربي، تلك السمات الموروثة، من قيم اجتماعية ودينية وسياسية، وقد يكون العيب في هذه الموروثات، هو تلقيها بشكل خاطئ، وممارستها كسلوك فردي في ظروف ما، لتصبح سلوكا اجتماعيا متوافقا على التزامه من قبل الجماعة، حتى أصبحت قانونا اجتماعيا مستقرا في المخيلة الجمعية لمجتمع ما، ولعل أهم سمة اجتماعية تبدو في الرواية ما يطلق عليه في العلوم الاجتماعية المجتمع الأبوي الرجولي، وإن شئت فقل المجتمع الذكوري، الذي يعلي من شأن الرجل، ويجعل له الحق في أخذ زمام الأمور والمبادرة، وما على المرأة إلا الطاعة والتنفيذ، وليس لها حق إبداء الرأي أو الاعتراض، حتى ولو كان الأمر يخص حياتها، فهذه"حسنة" أرملة مصطفى سعيد يطلبها ود الريس للزواج، لكنها ترفض ذلك الزواج، فيأتي دور الرجل في ممارسة صلاحياته الممنوحة له بالعرف الاجتماعي المستقر، فيمارس أبوها وإخوتها هذه الصلاحيات لإجبارها على القبول بهذا الأمر بدعوى "أنه أعطى ود الريس وعداً" فلا يجد بأسا بضربها وشتمها، قائلا لها: "تتزوجينه رغم أنفك" إنه لا يريد أن يصبح "أضحوكة يقول الناس ابنته لا تسمع كلامه"(6).
ولكل هذا، يصبح سلوك هذه المرأة "حسنة بنت محمود" سلوكا شائنا في نظر المجتمع عندما ذهبت للحاج أحمد، تعترض على هذا الزواج، وتعرض نفسها على حفيده، فتجد ردة فعل المجتمع على هذا الموقف مستهجنة وغريبة "فهي التي تجرأت وطلبت يد الرجل، مما فتح عليها باب القول: "عشنا ورأينا النساء تخطب الرجال"(7)، وعليه فإن على المرأة – من وجهة نظر المجتمع – أن تنتظر الرجل حتى يخطبها وتتزوجه دون مشورة لها أو سماع رأيها، وإن لم يحدث هذا وبقيت دون زوج تكثر حولها الإشاعات، ففي نهاية المطاف "المرأة للرجل، والرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر"(8).
وتبقى مسألة مهمة بحاجة إلى وقفة ولو بسيطة، أخذت من الرواية مساحة لا بأس بها، وهي سلوك المرأة في الخلاص الفردي من الظلم الاجتماعي الذي وقع عليها؛ فهذه حسنة بنت محمود تهدد بقتل ود الريس وقتل نفسها، إن أغصبوها وتزوجته، وقد تم ذلك فعلا في الرواية، فتجد أن المجتمع لا يبرئها من هذه الفعلة، ويعد ذلك الأمر حدثا غريبا "فليس كل يوم تقتل امرأة رجلا بله زوجها"(9)، وكأن قتل الزوج أمر لا يتصور حدوثه في هكذا مجتمع، لذا يستفظع فعلها، ورأى الناس ذلك شائنا أشد ما يكون الشين، ونسوا أو تناسوا أن نظامهم الاجتماعي المستقر هو السبب في هذه الجريمة البشعة، فلم يتركوها وشأنها تختار زوجها، أو تربي أبناءها، فبعد أن امتنعت عن تسليم نفسها لود الريس لمدة تزيد على أسبوعين، يرى ود الريس أن ذلك عيب عليه وهو الفحل والرجل، فيصمم أن ينال منها ما يريد بالعنف، فتُقْدِم على طعنه وقتله وقتل نفسها.        
هذه صورة لامرأة في الرواية، تبدو واقعية مقبولة فنيا وفي المجتمع، إذ تجد لها أخوات في واقع الناس المعيش، امرأة تعاني من الظلم الاجتماعي، يتحكم الآخرون بمصيرها، لا حول لها ولا قوة، ضحية قانون اجتماعي غير منصف إطلاقا، ولكنها امرأة ذات سمت  اجتماعي هادئ وبسيط، تجد لها في المقابل نقيضا في الرواية على مستوى السلوك الشخصي، وذلك في شخصية (ابنة مجذوب)، حيث تظهر في الرواية امرأة مترجلة؛ تتحدث بحديث فاحش أمام الرجال، وتسرد قصص مخدعها مع أزواجها بلا حرج، أضف إلى سلوكياتها غير المقبولة في مجتمع عربي "فقد كانت تدخن السجائر، وتشرب الخـــمر، وتـــحلف بالطلاق كأنها رجل"(10).
إن في رواية الطيب صالح هذه تصويرا لعله دقيق لمجتمع كانت هذه صورته قبل أربعين سنة، عندما كتب الطيب صالح هذه الرواية، وقد كانت مجموعة من العوامل ترسخ مثل هذه النظرة في المجتمع، لعل الجهل هو أكثرها أهمية، فهل يا ترى تغيرت صورة المجتمع العربي اليوم، ونحن نصارع قرنا مليئا بالتشوهات السياسية والاجتماعية، والردة الفكرية عن كل ما هو ثابت وجميل؟ قد تكون هذه الفترة  أشد بؤسا من واقع الخمسينيات، فالجهل والتجهيل قد استفحل، والمرض قد عم، والقيم الاستهلاكية الأنثوية في تفشٍ؟ وكل حركات الإصلاح قد تراجعت لصالح فئة تمردت من أجل اكتساب منافع فردية مشوهة، فالنظرة الجنسية البهيمية للمرأة ما زالت مسيطرة وببشاعة أكبر مما يطرحه كاتب هذه الرواية، وما عليك إلا أن تتابع المحطات الفضائية لترى تشييء الأنثى وتسليعها، ليعد ذلك في نهاية الأمر تطورا في حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص!!!

 

------------------------------------

(1) الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال، دار العودة- بيروت، دون تاريخ، ص (80-81).
(2) السابق ص (82)
(3) السابق ص (83)
(4) السابق ص (84)
(5) السابق ص (81)
(6) السابق ص (123-124)
(7) السابق ص (133)
(8) السابق ص (102)
(9) السابق ص (113)
(10) السابق ص (80)

Bookmark and Share

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الشــــروق الباريســـــي

أخر الأخبار والتعليقات

image

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله   الشروق الباريسي     بالرغم مما حدث للسيد نكاز رشيد في الجزائر لم أتمكن
image

هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟

 هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟  من مدونة "بوتفليقة قتلني" لزيارة المدونة "إضغط هنا"     من الروعة بمكان أن يذكر نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني
image

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"   ناشرون فلسطينيون/ نابلس       ضمن فعاليات الاحتفال بيوم المكتبة العربية استضافت مدرسة أودلا الأساسية المختلطة يوم الخميس 20/3/2014 الكاتب والأديب الأستاذ
image

وجه أمّي.. وجه وطني

وجه أمّي.. وجه وطني  مادونا عسكر/ لبنان       ذلك الصّوت الصّامت، الحاضر في إشراقة الصّباح والسّاهد في غفوة اللّيل، والكامن في أسارير الوجود. ذلك الكيان الّذي يتلقّف قسوتنا
image

هكذا يكون الحبّ!

هكذا يكون الحبّ! (ماري القصيفي) لبنان إضغط هنا لزيارة مدونة الكاتبة       حين تنظر إلى جذور شعرها البيضاء وتفكّر في حنان في أنّها تأخّرت عن موعد
image

مساحة من حروف تراتيل في قصص قصيرة جدا

مساحة من حروفتراتيل في قصص قصيرة جدا                 مكارم المختار صحوة وجعـ هل تعافيت ؟ـ قبضت على بدني ـ لله الحمدـ اقصد تعافيت مما عليه كنت ..... وقضبت
image

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي  أجرى اللقاء، سيمون عيلوطي:       الدّكتورة كلارا سروجي-شجراوي، تعمل في سلك التدريس في جامعة حيفا، قسم اللّغة العربيّة وآدابها، في مجالَي الأدب
image

أيها العرب أين تذهبون

أيها العرب أين تذهبون د. مصطفى يوسف اللداوي       أيها العرب أين تذهبون، وإلى أين تفرون ...القذيفة تلاحقكم، والانفجار يطالكم، والعبوة تفاجئكم، والطلقة تطاردكم، وعصف التفجير يمزقكم، والسيارة
image

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن
image

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!   فراس حج محمد         في قصة "الفقيد" للكاتب اليمني عبد الله سالم باوزير رحمه الله (توفي عام 2004)، ونشرت في مجموعته المتميزة
  1. فلنتوكل على الله (5.00)

  2. الملفات الساخنـــة (5.00)

  3. كلمـــة المحـــــرر (5.00)

  4. احداث مفتعله حول الحجاب تهز باريس (5.00)

  5. فقط لتجربة الفيديو على المجلة (5.00)

كلماته الدلالية:

كاتب, شعر, مسابقة, أدب, قصة, شاعر, كتاب, أدبي, كتابة, كاتبة, بحث, عرب, قصة قصير, رواية, أديبة, مطربة, فنانة, قاصة, روائية, مؤلفة, قصص, مؤلف, قاص, ناقد, روائي, ناقدة, تأليف, أدباء, نقاد, باحثين, مؤلفين, منشد, عروض, قوافي, خاطرة, خواطر, أدبية, عصري, جاهلي, منشدة, مغنية

رواق الصــور

قيّم هذا المقال

5.00

دخول

Or you can

Connect with facebook

أحدث الإضافات

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن... كامل المقال