الرئيسية | الحــدث | المصالحة: بين الإشهار وحقائق الواقع .

المصالحة: بين الإشهار وحقائق الواقع .

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المصالحة: بين الإشهار وحقائق الواقع .

بقلم: وسام الفقعاوي.

بعد طول الفراق الغير محبب جماهيرياً، وبعد تعدد محاولات الأخذ والرد بين الطرفين المتصارعين "فتح وحماس"، حيث لم تتوقف المحاولات الفصائلية والعربية وحتى الاقليمية بينهما، تم إشهار توقيع المصالحة الفلسطينية، بحضور حشد غفير من الوفود الفلسطينية والعربية، التي أضناها طول الفراق وانعكاساته على صورة ومآلات القضية. وبغض النظر عن "الاختلاف الذي حصل حول جلوس المتصارعين، ومن سيلقي خِطبة خَطب الود"، إلا أن "أهل الخير" استطاعوا اقناع الطرفين بالالتزام بعقد الاتفاق. وطالما أن الانتخابات العامة "التشريعية والرئاسية"، المأمول أن تجري بعد عام من الإشهار، هي التي ستحدد المآلات النهائية لهذا التوقيع، بما يعني أن تلك الفترة ستكون فترة اختبار لصدق وحسن النوايا والأعمال، وصولاً للمصالحة المتعارف عليها شعبياً، يبقى من المحتمل "أن يستجد في الواقع ما يعكر صفو التوصل لاستعادة الوحدة، ويقلب أجواء الأمل والفرح الشعبي إلى كوابيس قديمة جديدة". ونعود مجدداً للغة والأدوات التي سئمها ولفظها شعبنا وقواه، ولكي تستوي أوضاع الحالة الفلسطينية فلا بد من التالي:
1-  الاتفاق على رؤية سياسية فلسطينية واضحة وموحدة، بما يخرجنا من حالة "فوضى الرؤى"، إذا صح التعبير، حيث سمعنا بالأمس من رئيس السلطة الفلسطينية خطاباً لم يأتي بجديد؛ بل جاء تكراراً لما سبق طوال 18 عاماً من المفاوضات، سواء على صعيد التعلق بوهم ما يسمى "بعملية السلام"، أو مرجعياتها والمقصود بالتأكيد المرجعية الأمريكية، واستمرار التنسيق الأمني، وغير ذلك من العبث والوهم المستمرين. ولكي نصل للاتفاق على الرؤية السياسية ووضوحها فلا بد من ضرورة المراجعة النقدية الجدية لتجربة العمل السياسي والنضالي الفلسطيني عموماً،  على مدى العقود الماضية من نضالنا الوطني، بهدف تقييم التجربة والأداء، والإمساك بمكامن الضعف والإخفاق، وتعزيز عوامل النهوض والتطور والتقدم، في إطار رؤية جديدة لطبيعة الصراع الفلسطيني- الصهيوني، والعربي- الصهيوني.
2-  الوعي بطبيعة التناقضات في صفوف الشعب، باعتبارها تناقضات ثانوية ينبغي حلها من خلال الحوار والنضال الديمقراطي السياسي والجماهيري، وهذا يحتاج لمبدأ المشاركة الجماهيرية المستند للشفافية والمصارحة وتعزيز النقد والمراجعة والاستفادة من الأخطاء، بما يسمح بتعميق وحدة الشعب الفلسطيني، وضمان تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال.
3-  مغادرة منهج وسياسة التكفير والتخوين، والإقصاء والإلغاء، العقائدي والفكري والثقافي والسياسي والتنظيمي، والاقتناع بأن الشعب الفلسطيني كما كل شعوب الأرض، متمايز ومختلف عقائدياً وفكرياً وثقافياً وسياسياً وتنظيمياً، وهذه ميزة ايجابية، وعنصر قوة وليس إضعاف. ولكن المطلوب في ضوء "التجربة المريرة" والتي لم يتغير شئ جدي منها بعد، هو حفظ حق الاختلاف والتعدد والتناقض الذي فيه حياة، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح واحترام الأراء ونسبية الحقيقية.
4-  لا يجب أن يغيب عن بال أحد، بأننا لا زلنا نعيش مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، بما يعني أن مرحلة التحرر الوطني تحتاج لتضافر جهود الكل الفلسطيني الشعبي والفصائلي، والتوظيف الأمثل لكل طاقات الشعب الفلسطيني وكفاءاته، ولا يمكن أن يتم ذلك دون الاهتمام بإعادة صياغة أشكال وأساليب التعامل مع الجماهير الشعبية، واستبدال العلاقة البيروقراطية القائمة، بعلاقة جديدة تقوم على التماس والتواصل والانخراط في حياتها وهمومها، بما يساهم في قيام جسور الثقة المتبادلة، وإتباع مناهج عمل في السلوك اليومي تجعل المؤسسات الرسمية والمجتمعية، قوة جاذبة للجماهير، وذلك بالتعبير عن همومها ومصالحها وبتقديم النموذج الكفاحي لها، وبإيجاد ربط وتوازن موضوعي بين عملية التحرر الوطني، وعملية التحرر الاجتماعي والديمقراطي.  
5-  الترابط المحكم والواضح بين المرحلي والإستراتيجي، حيث افتقر الفكر السياسي الفلسطيني للنسق والنواظم التي تحافظ على هذا الترابط، بحيث طغى على خطاب الكثير من القوى السياسية الفلسطينية، تقديم الحل المرحلي أو ما يسمى بالقاسم المشترك، باعتباره هو الحل النهائي للمسألة الفلسطينية.
6-  الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية، بما شكلته من عنواناً كفاحياً ونضالياً للمشروع الوطني الفلسطيني على مدار تجربة الثورة الفلسطينية، وباعتبارها أهم منجز حققته الثورة الفلسطينية المعاصرة، مما يتطلب إعادة الاعتبار لمرجعياتها ودورها وميثاقها، باعتبارها إطاراً ائتلافياً جبهوياً وطنياً، وبما يُمكّنها من استيعاب كافة طاقات الشعب الفلسطيني، وتياراته الفكرية والسياسية، من خلال اعتماد مبدأ التمثيل النسبي الكامل في انتخاب مؤسساتها المختلفة أو المؤسسات التي أنتجتها، وعدم العودة لنظم انتخابية تكرس المحاصصة والتقاسم، وتزيد من الهيمنة والتفرد والاستئثار "للمتصارعين الكبار".
7-  تحديد أساليب وأدوات وأشكال النضال المناسبة، وفق الظروف الملموسة في كل مرحلة، ومدى مناسبتها لكل مرحلة، وفق معطيات وشروط الصراع الدائر مع المشروع الصهيوني، بما لا يجعل شكل يطغى على الآخر، حيث في مرات طغى الفعل السياسي، وفي أخرى الكفاح المسلح، وفي ثالثة العمل الدبلوماسي وهكذا.
8-  لم يكن التوقيع/الإشهار، في مصر الانتفاضة/الثورة، سوى لاعتراف الجميع بالدور القومي الكبير لمصر، الذي هو من وجهة نظري أبعد من ذلك، من حيث الاعتراف بالبعد القومي للقضية الفلسطينية، التي تحتاج لرؤية جدلية واضحة، لعلاقة الوطني بالقومي باعتبار أن الصراع وطبيعته هو صراع عربي- صهيوني بالأساس، وأن تحقيق الأهداف الوطنية المرحلية والإستراتيجية، لا يمكن أن يتم دون هذه الرؤية والترابط بين البعدين، وهذا بدوره يستلزم ضرورة امتلاك رؤية شاملة للصراع، بما أنه صراع تاريخي شامل ووجودي يطال كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية، عربياً وفلسطينياً.
9-   احتلت القضية الفلسطينية دوماً مكانة متقدمة على صعيد قوى التحرر العالمية، كما المنظومة الدولية، وشكلت مدخلاً رئيسياً لولوج القوى الكبرى للمنطقة، وعليه فإن المطلوب استثمار المتحرك والثابت في العلاقات الدولية، وامتلاك منهج علمي لاستثمار التناقضات الدولية لصالح القضية الفلسطينية، مما يستلزم وضوح هذه الأهداف والاتفاق عليها، والاستناد إلى البعدين العربي والدولي، في استثمارها وتوظيفها.
إن قدرتنا كفلسطينيين على استمرار توقيع عقد الإشهار، ومن ثم إعلان المصالحة النهائية واستعادة الوحدة الوطنية، رهن بإرادتنا السياسية، وتوظيف كل مكامن القوة التي نمتلكها والتوظيف الأمثل لها، إذا ما أُحسن إدارتها.
نأمل ومعنا كل أبناء شعبنا الفلسطيني، أن نحضر ونشاهد استمرار المصالحة الفصائلية والشعبية على أسس وطنية، وأن يذهب كل الكلام غير المباح الذي سمعناه في حفل الإشهار، وللشعب الأمر في الأول وفي الأخر.

Bookmark and Share

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الشــــروق الباريســـــي

أخر الأخبار والتعليقات

image

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله   الشروق الباريسي     بالرغم مما حدث للسيد نكاز رشيد في الجزائر لم أتمكن
image

هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟

 هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟  من مدونة "بوتفليقة قتلني" لزيارة المدونة "إضغط هنا"     من الروعة بمكان أن يذكر نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني
image

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"   ناشرون فلسطينيون/ نابلس       ضمن فعاليات الاحتفال بيوم المكتبة العربية استضافت مدرسة أودلا الأساسية المختلطة يوم الخميس 20/3/2014 الكاتب والأديب الأستاذ
image

وجه أمّي.. وجه وطني

وجه أمّي.. وجه وطني  مادونا عسكر/ لبنان       ذلك الصّوت الصّامت، الحاضر في إشراقة الصّباح والسّاهد في غفوة اللّيل، والكامن في أسارير الوجود. ذلك الكيان الّذي يتلقّف قسوتنا
image

هكذا يكون الحبّ!

هكذا يكون الحبّ! (ماري القصيفي) لبنان إضغط هنا لزيارة مدونة الكاتبة       حين تنظر إلى جذور شعرها البيضاء وتفكّر في حنان في أنّها تأخّرت عن موعد
image

مساحة من حروف تراتيل في قصص قصيرة جدا

مساحة من حروفتراتيل في قصص قصيرة جدا                 مكارم المختار صحوة وجعـ هل تعافيت ؟ـ قبضت على بدني ـ لله الحمدـ اقصد تعافيت مما عليه كنت ..... وقضبت
image

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي  أجرى اللقاء، سيمون عيلوطي:       الدّكتورة كلارا سروجي-شجراوي، تعمل في سلك التدريس في جامعة حيفا، قسم اللّغة العربيّة وآدابها، في مجالَي الأدب
image

أيها العرب أين تذهبون

أيها العرب أين تذهبون د. مصطفى يوسف اللداوي       أيها العرب أين تذهبون، وإلى أين تفرون ...القذيفة تلاحقكم، والانفجار يطالكم، والعبوة تفاجئكم، والطلقة تطاردكم، وعصف التفجير يمزقكم، والسيارة
image

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن
image

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!   فراس حج محمد         في قصة "الفقيد" للكاتب اليمني عبد الله سالم باوزير رحمه الله (توفي عام 2004)، ونشرت في مجموعته المتميزة
  1. فلنتوكل على الله (5.00)

  2. الملفات الساخنـــة (5.00)

  3. كلمـــة المحـــــرر (5.00)

  4. احداث مفتعله حول الحجاب تهز باريس (5.00)

  5. فقط لتجربة الفيديو على المجلة (5.00)

كلماته الدلالية:

فلسطين, عرفات, الفلسطينيين, إسرائيل, رام الله, هنية, مصالحة, نابلس, عباس, القدس, مشعل, الجليل, الإنتفاضة, المقاومة, أبو مازن, أبوعمار, تلبيب

رواق الصــور

قيّم هذا المقال

0

دخول

Or you can

Connect with facebook

أحدث الإضافات

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن... كامل المقال