يموت بحسرته...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
يموت بحسرته...

يموت بحسرته...

 


نبيل عودة

 

الصمت حول سرير سعيد كان ثقيلا. يدخلون ويخرجون بصمت.. "هس.. هس ، سعيد وضعه صعب" . من المتوقع ان يلفظ انفاسه الأخيرة . لم يعد له علاج ملائم في المستشقى، فقط الأدوية لتسكين الأوجاع حتى  قرار الله بعبده سعيد.
لم يكن سعيد من الذين أسعدهم الله بحياة زوجية هادئة. تزوج وطلق ثلاث مرات، رزق باربعة صبيان من الزوجات الثلاث .. حتى اولاده لم يتحملوا فجوره وغادروا الى غير رجعة. بعد طلاق الزوجة الأخيرة وقع في حفرة تعد للصرف الصحي، فاصيب اصابات بالغة برأسه وأعضائه الداخلية  ويقال انه كان يلاحق احدى نساء القرية قريبا من حرش للزيتون  في اطراف القرية.
سكان البلدة يتحاشون الاختلاط به، سيرته سيئة، شراسته أخرست الألسن ،ليس سرا ان سعيدا  منذ شبابه لم يترك فتاة تفر من شره في القرية، فضائحه الأخلاقية تجاوزت الى البلدات المجاورة وعلى ذمة الرواة ان بعض حوادث قتل النساء بحجة شرف العائلة كانت بسبب ما ارتكبه سعيد بحقهن.
   - هل أسلم الروح؟
- هس.. هس .. ما زال يتحرك.
الأقرباء بهمس  وبشعور من الضيق يترقبون انتهاء ساعاته الأخيرة، وكانهم ينتظرون الفرج.
-  لم يحضر احد من اولاده..؟
- هربوا من سوء تعامله... اين نجدهم ؟
ليسامحه الله. -  
-  ربما هناك ضرورة إستدعاء ابانا الخوري ليناوله قبل موته.
-  هل ذلك سيكون سببا لخلاصه من عذابه؟
- قال الطبيب لن يصمد حتى العصر ..
- قرار الموت بيد الرب وليس بيد الأطباء ..
-  قدم قهوة يا بني.. وأحضر الماء البارد.. وأخفضوا اصواتكم يا جماعة.
- لماذا لم يحضر الخوري ليناوله ، لعل ذلك يختصر عذابه؟
فهم الأهل ان ذلك هو خلاصهم هم من الترقب الذي يبدو انه قد طال. اضاف أحدهم:
-  لا بد ان يناوله الخوري لعل ذلك ينقذ روحه من عذاب جهنم .
 رد عليه أحدهم:
  -  والله لو تضافرت جهود بابا روما وبطاركة اليونان وروسيا، لما انقذوا ظفرا   منه لما ارتكبه بحق الناس من موبقات.
القصد من ذلك فضائحه الأخلاقية مع نساء القرية  وشراسته التي جعلت العباد يتجنبونه ويقاطعونه في المناسبات.
-  لم يترك امرأة من شره، حتى نساء عائلتنا عانين كثيرا من شره
-  هس..هس .. بلاش فضائح. كفوا عن هذا الحديث الآن، عقابه لدى خالقه ، اعطونا شربة ماء.
  -  اذهب با بني الى خوري القرية ، قل له ان سعيدا بحالة حرجة وقد يغمض عينيه للمرة الأخيرة خلال الساعات القادمة ، نرجو حضورك لتناوله وتصلي عليه من اجل خلاص روحه.
   - هل سيحضر الخوري حقا ؟
  - على مهلك... واجب الخوري ان يخدم ابناء كنيسته.
خلال نصف ساعة وصل خوري القرية بصحبة انجيل ضخم على غير عادته، وقد اثار انجيله الضخم نظرات الحضور، يبدو ان أبانا الخوري قد فهم ما تتساءل عنه العيون حيث قال:
 -  قررت ان أحمل هذا الكتاب لأظهر لسعيد كم كانت خسارته عظيمة لأنه لم يعرفه ولم يؤمن به ولم يعمل بتعاليم الرب  ليسير على هدى  الأخلاق المسيحية  التي تأمر بالمحبة والعمل الصالح.
 -  شكرا يا ابانا ماذا سيفيده ذلك والموت يقاسمه السرير؟
 -  ابنائي ان طرق الله لا يعلمها البشر، واجبنا القيام بما يفرح القلوب ويرضي الخالق، ونسلم أمرنا لله وابنه المخلص يسوع المسيح.
-  وهل تنفع توبته وهو في ساعاته الأخيرة؟
-  هذا ليس من شاننا ان نحكم عليه، الملك الوثني العظيم قسطنطين عُمد مسيحيا وهو على فراش الموت، ومات مسيحيا. نحن ننفذ تعاليم الله بايصال بشارة الخلاص للبشر، من يقبلها فله ملكوت الله، كما يعلمنا الانجيل المقدس، ونحن لا نضع شروطا على الله  لغفرانه او عدم غفرانه لبعض الناس.
دخل الخوري غرفة سعيد حيث كان وجهه شاحبا، ونظراته توحي ان ساعته لم تحن بعد.
القى الخوري التحية، فرد سعيد بصوت واهن:
  اهلا ابونا... -
  -  بني..هل تسمح لي بالصلاة من أجل خلاص روحك؟
 لم ينتظر جوابا من سعيد حيث بدأ بصلاة "ابانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك..." شاركه فيها كل المتواجدين في الغرفة الا سعيد حيث جال بنظره على من حوله  وتعابير وجهه لا تعبر عن أي شيء. 
وضع الخوري انجيله الضخم قرب رأس سعيد وهو يقول: "ليصفح الله لك عن خطاياك، كما صفح لنا عن خطايانا جميعا، وهو الذي ارسل ابنه المسيح من اجل انقاذ البشر من خطاياهم".
فوجئ الجميع لاهتمام سعيد بالإنجيل.. وتساءل:
- ما هذا الكتاب الضخم يا ابانا؟
  - انه الانجيل المقدس.
ونظر الخوري بعيون الأهل المتجمعين حول السرير، وكانه يقول لهم هل رأيتم فائدة احضار انجيل ضخم؟ تساءل سعيد: 
  -  لماذا هو هكذا كبير؟!
-  مضمونه أكبر يا سعيد، انه يحمل تعاليم المسيح.
   يا للخسارة ، لأنني لم اعرف هذا الكتاب الكبير من قبل؟-
  -  انه كبير بنصوصه وتعاليمه.
-  يبدو انه كتاب عظيم.. لم اعرفه من قبل...   
- كنت ضالا يا بني، حان الوقت لتطلب الغفران من الله، لتلقى وجهه بروح تائبة ونفس خاشعة.
- يا لخسارتي العظيمة... 
- لا تتعب روحك يا بني، قبل هذا الكتاب ، ضع علامة الصليب على صدرك واطلب من الله وابنه المسيح الصفح والغفران.
قام الخوري بوضع علامة الصليب ثلاثة مرات فوق سعيد الممدد على السرير وهو يقول:"لتصفح له يا ابانا الذي في السماء عن خطاياه ، كان ضالا وتاب ، كان تائها ووجد الطريق".
قال سعيد:
-  اني أموت وحسرتي في نفسي... كنت بحاجة لهذا الكتاب.
استطرد الخوري:
  -  ليغفر الله لك آثامك مهما كانت .
أجاب سعيد:
 .  كان يجب ان اعرف هذا الكتاب الضخم من قبل-  
  - انها مشيئة الله ان تعود من ضلالك قبل موتك ...الحجم لا اهميه له، المضمون له قيمة عظمى، وهو ما نريدك ان تؤمن به.
   كم هي عظيمة خسارتي.. ساموت وحسرتي في قلبي.-
احتار الخوري من كلام سعيد، ولم يجد ما يضيفه الا تكرار ما قاله سابقا.
واصل سعيد:
-  كنت بحاجة لهذا الكتاب الضخم .. آه من المي وحسرتي
  ?ما هي حكايتك يا بني، لم اعد افهمك.. أفصح لنفهم ماذا تقصد  -
اشتد الألم على سعيد،التقط انفاسه، نظر في عيون المحيطين به، وقال:
اني الومكم  لعدم معرفتي بهذا الكتاب حين كنت بحاجة اليه.  -  
قال كبير العائلة:
 - وهل كنت تسمع نصائحنا يا سعيد، حيث جلبت لنا الفضيحة تلو الأخرى لحماقتك ولسوء أعمالك؟
 - نصائحكم لم تكن تنفعني، لو استمعت لكم لعشت ميتا في الحياة، ولكن هذا الكتاب كانت له ضرورته.
تبادل الأهل والخوري النظرات. التقط سعيد انفاسه وقال:
  - اريد ان اروي لكم سبب حاجتي لهذا الكتاب حتى لا اموت وانتم على غير علم بما أقول، كنت عائدا من حقل والدي أقود عربة مليئة بالقش لإطعام القطيع وفي الطريق صادفت فتاة من اهل القرية عائدة مشيا في الظهيرة، أشفقت عليها ودعوتها لتصعد الى عربتي، فأنا أيضا أحمل قلبا رقيقا شفوقا... صعدت وجلست قربي خجلة. نظرت الى وجهها واعجبت بجمال عينيها، تناسق قسمات وجهها، وشعرت برغبة مجنونة لاضمها الى صدري  واقبل عينيها ، تمنعت وقاومت، تغلبت عليها  والقيتها وسط العربة فوق القش، كانت امامي ضعيفة وبكت. حاولت طمأنتها باني لن اسبب لها الألم فانا احب النساء واعشق دلالهن.. وعندما وصلتها هبط القش أكثر، هبط جسمها عميقا في القش .. حاولت رفعها لاعلو فوقها فانغرزت في القش اكثر.. محاولاتي باءت بالفشل.. وقد اقتربنا من القرية فاضطررت للتوقف عن محاولتي هذه حتى لا أورطها بمشكلة لا يعلم احد مداها. ولكن يا ابانا، لو كان بحوزتي هذا  الكتاب الضخم، لأضعه فوق القش،  لكان لي عونا وما عانيت من فشل وحسرة لم تفارقني حتى اليوم...  

Bookmark and Share

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الشــــروق الباريســـــي

أخر الأخبار والتعليقات

image

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله

رشيد نكاز مرشح الرئاسيات "المغدور" يشيد بالديمقراطية في الجزائر ويشتكى من عدم الرد على رسائله   الشروق الباريسي     بالرغم مما حدث للسيد نكاز رشيد في الجزائر لم أتمكن
image

هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟

 هل وجب تدخل الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية؟  من مدونة "بوتفليقة قتلني" لزيارة المدونة "إضغط هنا"     من الروعة بمكان أن يذكر نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني
image

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"

لقاء مع أديب "فراس حج محمد"   ناشرون فلسطينيون/ نابلس       ضمن فعاليات الاحتفال بيوم المكتبة العربية استضافت مدرسة أودلا الأساسية المختلطة يوم الخميس 20/3/2014 الكاتب والأديب الأستاذ
image

وجه أمّي.. وجه وطني

وجه أمّي.. وجه وطني  مادونا عسكر/ لبنان       ذلك الصّوت الصّامت، الحاضر في إشراقة الصّباح والسّاهد في غفوة اللّيل، والكامن في أسارير الوجود. ذلك الكيان الّذي يتلقّف قسوتنا
image

هكذا يكون الحبّ!

هكذا يكون الحبّ! (ماري القصيفي) لبنان إضغط هنا لزيارة مدونة الكاتبة       حين تنظر إلى جذور شعرها البيضاء وتفكّر في حنان في أنّها تأخّرت عن موعد
image

مساحة من حروف تراتيل في قصص قصيرة جدا

مساحة من حروفتراتيل في قصص قصيرة جدا                 مكارم المختار صحوة وجعـ هل تعافيت ؟ـ قبضت على بدني ـ لله الحمدـ اقصد تعافيت مما عليه كنت ..... وقضبت
image

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي

لقاء مع الدّكتورة كلارا سروجي- شجراوي  أجرى اللقاء، سيمون عيلوطي:       الدّكتورة كلارا سروجي-شجراوي، تعمل في سلك التدريس في جامعة حيفا، قسم اللّغة العربيّة وآدابها، في مجالَي الأدب
image

أيها العرب أين تذهبون

أيها العرب أين تذهبون د. مصطفى يوسف اللداوي       أيها العرب أين تذهبون، وإلى أين تفرون ...القذيفة تلاحقكم، والانفجار يطالكم، والعبوة تفاجئكم، والطلقة تطاردكم، وعصف التفجير يمزقكم، والسيارة
image

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن
image

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!

يا لها من ميتة ثقافيّة جذلى!!   فراس حج محمد         في قصة "الفقيد" للكاتب اليمني عبد الله سالم باوزير رحمه الله (توفي عام 2004)، ونشرت في مجموعته المتميزة
  1. فلنتوكل على الله (5.00)

  2. الملفات الساخنـــة (5.00)

  3. كلمـــة المحـــــرر (5.00)

  4. احداث مفتعله حول الحجاب تهز باريس (5.00)

  5. فقط لتجربة الفيديو على المجلة (5.00)

كلماته الدلالية:

كاتب, شعر, مسابقة, أدب, قصة, شاعر, كتاب, أدبي, كتابة, كاتبة, بحث, عرب, قصة قصير, رواية, أديبة, مطربة, فنانة, قاصة, روائية, مؤلفة, قصص, مؤلف, قاص, ناقد, روائي, ناقدة, تأليف, أدباء, نقاد, باحثين, مؤلفين, منشد, عروض, قوافي, خاطرة, خواطر, أدبية, عصري, جاهلي, منشدة, مغنية

رواق الصــور

قيّم هذا المقال

5.00

دخول

Or you can

Connect with facebook

أحدث الإضافات

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز..

..شرقي بامتياز.. وئام البدعيش / سوريا               أتحبني رغم الذي كانا ... إني أحبك رُغم ما كانا...لأجل المصادفة. كان يستمع إلى هذه الأغنية, ولكن دون انتباه, لأن... كامل المقال